
بقلم : لمياء صلاح
في شوارع الخرطوم وأزقة أم درمان وأحياء بحري، كما في الجزيرة وكسلا وبورتسودان، يتجول الموت في هيئة بعوضة صغيرة تحمل حمى الضنك. أعداد المصابين تتضاعف يوميًا، والوفيات تتزايد بصمت، بينما الناس يتناقلون أخبار الجنازات أكثر مما يتناقلون أخبار الشفاء. ما يحدث لم يعد وباءً عاديًا، بل كارثة وطنية يكشف التستر عليها حجم الفشل الرسمي.
الأمطار الأخيرة خلّفت مستنقعات ومياهاً راكدة، ومع غياب أي حملات للرش أو مكافحة النواقل، تحولت المدن إلى مزارع مفتوحة للبعوض. السؤال المشروع هنا: كيف لدولة تعرف موعد الخريف كل عام، ولا تضع خطة مسبقة لمواجهته؟ وكيف ترى المدن تئن تحت وطأة المرض، وتكتفي الدولة بالبيانات المطمئنة وكأنها تخاطب شعبًا آخر غير الذي يعيش الكارثة؟
المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة. فحين يدخل المستشفى يواجه الحقيقة المرة: لا دواء، أو دواء يباع بأسعار تعجز عنها أغلب الأسر. البعض يبيع مقتنياته ليشتري علاجًا قد لا ينقذ حياته أصلًا، والبعض الآخر يكتفي بالانتظار حتى يقرر القدر مصيره. أليس هذا أقسى أشكال الظلم؟
الخفايا أشد قسوة من الظواهر. أطباء يؤكدون أن عدد الوفيات المعلن لا يعكس الحقيقة، وأن كثيرًا من الحالات تُسجَّل تحت مسميات عامة كـ “حمى نزفية” لتقليل وقع الكارثة. في المقابل، لا توجد مراكز متخصصة ولا طوارئ مجهزة، بل اجتهادات فردية من كوادر طبية أنهكها الضغط والإهمال.
حمى الضنك إذن ليست وباءً بيئيًا فحسب، بل فضيحة سياسية وأخلاقية. ، فهي في الحقيقة تتنصل الجهات المسؤولة من أبسط واجباتها. المطلوب اليوم ليس انتظار المعونات، بل إعلان حالة طوارئ صحية، وتعبئة كل الإمكانيات للإنقاذ الفوري: رش شامل، علاج مجاني، حملات توعية، ورقابة صارمة على الأسعار.
وإن لم يحدث ذلك، فإن القادم أخطر: فحمى الضنك قد تتحول إلى وباء شامل يفتك بآلاف الأرواح، ويكشف للعالم أن في السودان شعبًا تُرك ليصارع المرض والفقر والإهمال في آن واحد.









