مقالات الرأى

القري المتحدة حصار جديد … إسمه الضنك

لمياء صلاح تكتب

على ضفاف النيل، حيث تمتد القرى المتحدة: الفكي هاشم، الجعليين، الدبة، العبدلاب، الخليلة،الدافعاب وديم أبو فريوة… هناك حكاية تختلف عن كل الحكايات. قرى لم تُهزم، ولم تُكسر شوكتها رغم كل ما واجهته من حصار وتربص. هي البقعة الوحيدة التي وقفت سداً منيعاً أمام محاولات الدعم السريع لاجتياحها، فكانت النساء والرجال، الشيوخ والشباب، كتفاً بكتف، يكتبون فصول الصمود بدمائهم وصبرهم.

لم تكن معركتهم بالسلاح وحده، بل بالإيمان والعزيمة، وبالتلاحم الذي جعلهم أمة صغيرة داخل وطنٍ يتشظى. جنودها المغتربون في المنافي لم يتأخروا عن تلبية نداء الأهل، فأقاموا أول “تكية” على مستوى السودان، لتكون عنواناً للتكافل حين انقطعت الأرزاق وضاقت السبل. هناك، حيث الجوع والحصار، لم يسقطوا، بل ارتفعوا بالكرامة فوق الجراح.

لكن اليوم، بعد أن اجتازوا نار الحرب، تسلل إليهم عدوٌ أخطر وأشد فتكاً: حمى الضنك. وباء ينهش الأجساد كما النار تأكل الهشيم، يحصد الأرواح ويترك القلوب مثقلة بالحزن. أنهك المرض أهل هذه القرى المباركة، وكأن القدر لم يشبع من امتحان صبرهم.

إنها ليست مجرد إصابات متفرقة، بل كارثة صحية تهدد وجود الناس وحياتهم، في منطقة تعبت من الصمود ولم تجد من الدولة سوى الغياب. هنا يتساوى الفقير والغني، الكبير والصغير، أمام ناموس المرض الذي يطرق الأبواب بلا رحمة.

القرى المتحدة اليوم تحتاج ، بل إلى تدخل عاجل، إلى دواء يوقف نزيف الأرواح، وإلى يد إنسانية تمتد قبل أن يتحول الوباء إلى مقصلة جماعية.

هؤلاء الناس الذين صمدوا في وجه البنادق، يستحقون أن نصمد معهم في وجه المرض. فما قيمة الانتصار على الحرب إذا كانت حمى الضنك ستحصد الأرواح في صمت؟ وما معنى التضحيات إن لم يجد الصابرون من يداوي جراحهم؟

القرى المتحدة… قصة عزيمة لا تنكسر، لكنها اليوم تستغيث.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى