Uncategorized

لمياء صلاح تكتب: حين يصبح المال في حسابك… ولا تستطيع أن تعيش به

كان يحمل أسطوانة الغاز على كتفه ويمضي في الشارع، لا بحثاً عن بيت أو مواصلة، وإنما بحثاً عن طريقة يدفع بها ثمن الغاز. المال الذي يحتاجه موجود، لكن الوصول إليه أصبح هو المشكلة.
وفي شارع آخر، يقف مواطن أمام المواصلات، يحاول العودة إلى منزله، بينما هاتفه في يده ومحاولات التحويل تتكرر بلا جدوى. وفي مكان ثالث، جلس أحدهم أمام «ست الشاي»، احتسى كوبه ثم وجد نفسه عاجزاً عن دفع ثمنه، لا لأنه لا يملك المال، وإنما لأن الوسيلة التي اعتاد أن يدفع بها توقفت.
قد تبدو هذه مشاهد عابرة، لكنها في الحقيقة تختصر وجهاً قاسياً من أزمة «بنكك»؛ أزمة لم تتوقف عند تعطل تطبيق، وإنما امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوداني.
هناك من تعطلت مواصلاته، ومن لم يستطع شراء طعامه، ومن وقف أمام الصيدلية أو المستشفى يبحث عن وسيلة لتحويل المال، وهناك أسر لجأت إلى أبنائها وإخوتها في الخارج لإرسال تحويلات عاجلة، لكن حتى هذا الباب لم يكن مفتوحاً كما ينبغي.
في السودان اليوم، لم تعد التحويلات المصرفية رفاهية. أصبحت جزءاً من دورة الحياة نفسها؛ منها تُدفع المواصلات، ويُشترى الدواء والغاز والطعام، وتتحرك الأسواق. ولذلك فإن تعطل وسيلة رئيسية للتحويل لا يمكن التعامل معه باعتباره عطلاً فنياً عادياً.
المشهد الأكثر إثارة للأسئلة أن تطبيقات مصرفية أخرى تواصل عملها، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت المشكلة فنية، فأين البدائل؟ ولماذا لا توجد خطة طوارئ تمنع توقف مصالح الناس عندما تتعطل وسيلة دفع رئيسية؟
المواطن الذي خرج من حرب أرهقته، وواجه النزوح والغلاء وضيق المعيشة، لا يحتاج إلى أن يصبح ماله نفسه مشكلة جديدة. ماذا يفعل صاحب المال عندما يكون المال في حسابه، لكنه لا يستطيع الوصول إليه؟ ماذا تفعل أسرة تحتاج إلى غاز اليوم، ومريض ينتظر دواءه، وعامل لا يملك أجرة العودة إلى منزله؟
هذه ليست أزمة تطبيق فقط، بل اختبار حقيقي لطريقة إدارة الأزمات الاقتصادية.
فالاقتصاد لا يعيش في دفاتر البنوك وحدها؛ الاقتصاد هو ذلك الرجل الذي يريد العودة إلى بيته، والأم التي تنتظر غاز المطبخ، والمريض الذي يحتاج إلى دوائه، و«ست الشاي» التي تريد فقط أن تحصل على قيمة كوب باعته.
نحتاج إلى حلول لا تجعل حياة الناس رهينة لتطبيق واحد، وإلى بدائل تضمن استمرار حركة المال والأسواق مهما كانت الظروف.
لا نريد أن نعرف فقط متى يعود «بنكك» للعمل؛ نريد أن نعرف لماذا تتوقف الحياة حين يتوقف، وماذا أعددتم حتى لا يتكرر المشهد؟
لقد تحمل السودانيون ما يكفي.
دعونا نعيش بكرامة، حتى لو كان ثمن الكرامة إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً، وإدارة تعرف كيف تحمي الناس في زمن الأزمات.
فالمال الذي لا يستطيع صاحبه الوصول إليه… لا يكفي وحده ليمنحه حياة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى