
لم يكن السودانيون يومًا غرباء عن الصبر، ولا عن الشدة، لكن الحرب الأخيرة لم تطرق الباب لتستأذن؛ دخلت لتقلب البيوت على قلوب أهلها، وتعيد كتابة ملامح الحياة بخطوط لا تعرف الرحمة. تغيّر وجه الخرطوم، تبدّلت ملامح المدن، واهتزّت ثقة الإنسان بنفسه… وبدل أن يخطط لغده، أصبح يحارب ليحفظ يومه فقط.
الحرب لم تقتل الحجر وحده، بل امتدت إلى ما هو أبعد: إلى الأرواح، إلى العلاقات، إلى تلك القيم التي كانت عماد المجتمع السوداني. أصبح الناس عاجزين… عاجزين حدّ الانكسار، ومعدمين حدّ الوجع.
مشهد الأم… والطفل الذي ينتظر جرعة حياة
في أحد الأزقة الضيقة، تجلس أم وقد ضمّت طفلها الرضيع إلى صدرها.
ليس لأنه يتدلل، بل لأن البكاء أصبح آخر ما تبقّى له من صوت.
تبحث الأم عن علبة حليب… علبة واحدة فقط، يمكن أن تُنقذ هذا الجسد الطري من الجفاف.
ولكن الحليب صار عملة نادرة، حلمًا بعيدًا، ووجعًا يثقل صدر أم لم تعد تعرف كيف تواسي صغيرها… أتهدهده أم تهدهد حزنها؟
تقول المرأة بصوت مكسور:
“يا ولدي… لو كان الحنان يُشرب لأسقيتك من قلبي.”
لكن القلب وحده لا يطعم، ولا ينقذ من الرمق.
شاب دفع كل ما يملك… ثم توقف العالم من حوله
كان يحلم أن يفتح لنفسه طريقًا… أن يبني مستقبله خطوة خطوة.
لكن حين سقط والده مريضًا، باع كل شيء: مدخراته، هاتفه، حتى دراجته التي كانت مصدر رزقه.
كل ذلك ليشتري الدواء.
والآن؟
لا شيء تبقّى.
يقف أمام صيدلية مغلقة، والدواء أصبح أغلى من قوته، وأبعد من قدرته.
يقف مكتوف اليدين، ينظر لأبيه الذي يتألم، ويشعر أن رجولته تُسحب من صدره شيئًا فشيئًا…
ليس عجزًا، بل قهرًا.
ليس فقرًا، بل حربًا تسرق ما تبقّى من إنسان.
طالبة متفوقة… وحلم يقف على عتبة الرسوم
كانت تلك الفتاة من المتفوقات، من أولئك الذين تُعلّق المدارس أسماءهم على الجدران بفخر.
لكن الأبواب لا تُفتح دائمًا للمتفوقين… خصوصًا حين يكون الجيب فارغًا.
وقفت الأم أمام ابنتها، تحاول أن تبدو قوية، لكن الكلمات كانت أثقل من قدرتها:
“سنة بس… نستنى شوية لحدي ما الظروف تتحسن.”
اشتعلت عينا الابنة دموعًا… لا غضبًا، بل وجعًا.
كانت ترى زميلاتها يتقدمن، وهي وحدها تتراجع مرغمة، ليس لأنها فشلت، بل لأن الحرب فرضت عليها أن تنتظر.
الحرب لا تقتل الأحلام فقط… بل تؤجلها حتى تذبل وحدها.
أب كادح… انحنى ظهره ولم ينحنِ قلبه
في سوق مزدحم بالتراب والصرخات، ترى رجلًا يحمل ما لا يُحمل.
يضع على كتفه أحمالًا تكسر الظهر، لكنه يجبره على الثبات، لا من أجل المال… بل من أجل أبنائه الجياع.
كل مساء يعود بيد فارغة، وظهر مُثقل، وقلب يزداد هشاشة.
ومع ذلك يقول:
“يا رب… لقمة عيش .”
هو لا يحلم بالثراء، ولا بالسفر، ولا حتى بالراحة…
يحلم فقط أن يرى أطفالًا ينامون بلا جوع.
نسيجٌ تَمزّق… ومجتمع تغيّر
لم يعد السودانيون كما كانوا؛ الحرب نهشت نسيجهم الاجتماعي، وبدّلت حالهم من حال إلى حال.
من كانوا يتبادلون الطعام، صاروا يتبادلون الهمّ.
من كانوا يتفاخرون بقوة التكافل، أصبحوا اليوم يبحثون عن من يسندهم ولو بكلمة.
من كان بيتهم مفتوحًا لكل ضيف، أغلقوه خوفًا، لا بخلاً.
الشارع تغيّر، النفوس تغيّرت، وحتى العيون…
العين التي كانت تلمع بالأمل، أصبحت تلمع بالدموع.
الحرب حرّفت كل الطرق، وبدّلت حتى معاني الكلمات:
أصبح الصمود حاجة، والبقاء بطولة، واللقمة معركة.










