
بقلم : لمياء صلاح عبد الماجد
في زمنٍ تختلط فيه أصوات الرحمة بقرع طبول الحرب، تقف الولاية الشمالية على مفترق طرقٍ بالغ الحساسية؛ بين واجبٍ إنساني لا يُساوَم عليه، وضرورةٍ أمنية لا تحتمل التهاون. لقد كانت الشمالية — ولا تزال — عنوانًا للكرم السوداني الأصيل، فتحت ديارها قبل مخيماتها، وقدّمت من قوت أهلها قبل أن تنتظر دعمًا رسميًا أو أمميًا. وهذا تاريخٌ يُكتب بماء الفخر، لا يُنكر ولا يُزايد عليه أحد.
غير أن القرارات المصيرية لا تُبنى على العاطفة وحدها، مهما كانت نبيلة. فقرار دمج النازحين داخل محليات ومدن الولاية، في هذا التوقيت تحديدًا، يفرض علينا أن نرفع صوت العقل عاليًا، وأن ننظر إلى المشهد بعينٍ لا يغشاها حسن النوايا وحده. نحن أمام حربٍ مفتوحة، تتداخل فيها الجبهات، وتُستخدم فيها كل الوسائل، من السلاح إلى المعلومة، ومن المواجهة إلى الاختراق الصامت.
إن إدماج أعداد كبيرة من النازحين داخل النسيج السكاني، دون منظومة ضبطٍ محكمة ورقابةٍ دقيقة، يفتح ثغراتٍ لا تُرى بالعين المجردة، لكنها كفيلة بإحداث اختلالٍ عميق في بنية الأمن المحلي. فوجود عناصر متعاونة أو مرشدين — ولو بنسبة ضئيلة — كفيل بكشف تحركات حساسة، أو تسريب معلومات قد تُهدد خطط الدفاع، خاصة وأن الولاية الشمالية تمثل خط تماس استراتيجي بين مناطق مشتعلة وأخرى آمنة نسبيًا.
وهنا يجب أن نكون واضحين: هذا الطرح ليس تشكيكًا في النازحين، ولا انتقاصًا من معاناتهم، فهم ضحايا حربٍ قاسية قبل كل شيء. لكن القراءة الواقعية تفرض علينا ألا نغفل أن الحروب الحديثة لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل تُخاض أيضًا عبر الاختراقات الناعمة، والتسلل داخل المجتمعات، واستغلال الفوضى الإنسانية لتحقيق أهداف عسكرية.
لقد أنشأت الشمالية معسكرات، وقدّمت الغذاء والمأوى والدعم، وتحملت ما يفوق طاقتها، وما زالت تُعطي بلا منٍّ ولا أذى. لكن الاستمرار في العطاء لا يعني فتح كل الأبواب بلا ضوابط، ولا يعني المخاطرة بأمن مجتمعٍ كامل. فالإيواء المنظم، داخل مراكز مخصصة وخاضعة للإشراف، يظل الخيار الأكثر توازنًا بين الرحمة والحذر، بين الواجب الإنساني وصيانة الأرض.
إننا اليوم بحاجة إلى قرارات تُصاغ بالحكمة، لا بردود الأفعال؛ بتقدير المآلات، لا بحسن النيات فقط. فالتاريخ لا يرحم الأخطاء في مثل هذه اللحظات، والنتائج قد تكون أفدح مما نتصور إن لم نُحسن التقدير.
كونوا فطنين… فنحن في حالة حرب، وكل تفصيلٍ صغير قد يُحدث فارقًا كبيرًا. اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.





