
بقلم : لمياء صلاح
لم يعد الصمت ممكنًا أمام واقعٍ تعليميٍ يئن تحت وطأة التحديات، ولم يعد مقبولًا تأجيل مواجهة الأسئلة المصيرية حول مستقبل أبنائنا. إن إعادة النظر في المنهج الدراسي ونظام التعليم في السودان اليوم تمثل استحقاقًا عاجلًا يفرضه الواقع، وخطوة حاسمة لإنصاف جيل يستحق نظامًا تعليميًا أكثر عدلًا ووعيًا بظروفه.
فالعالم من حولنا يتطور بوتيرة متسارعة، وأنظمة التعليم الحديثة لم تعد تقيس الحفظ والاستظهار، بل تركز على بناء المهارات، وتنمية التفكير النقدي، واكتشاف المواهب وصقلها. فإلى متى نظل أسرى لأساليب تقليدية لا تعكس حقيقة قدرات طلابنا؟
أما الشهادة السودانية وامتحاناتها المنعقدة هذه الأيام، فهي تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل حقًا تقيس هذه الامتحانات مستوى الطالب الحقيقي؟ وهل تؤهله بإنصاف للمرحلة الجامعية؟ إن الإجابة الصادقة تفرض علينا الاعتراف بوجود خلل عميق، حيث يُختزل مستقبل الطالب في أوراق امتحانية تُعقد في أيام معدودة، قد لا تعكس جهده طوال العام، ولا تراعي ظروفه النفسية والإنسانية.
في كثير من الدول المتقدمة، يعتمد التقييم على تراكم الجهد، حيث تُحتسب أعمال السنة، والاختبارات الدورية، والمشاريع، والمشاركة، ضمن منظومة متكاملة تعطي صورة عادلة وشاملة عن الطالب. أما عندنا، فما زال الطالب يواجه اختبارًا واحدًا قد يكون قاسيًا أو غير متوازن، وقد يُبنى أحيانًا على طريقة فهم محددة، فتكون النتيجة ظلمًا لا قياسًا حقيقيًا.
كم من طالب متفوق تحطم حلمه بسبب بضع درجات؟ وكم من طالب متميز خذلته رهبة الامتحان أو ظروف قاهرة خارجة عن إرادته؟ إن ما نشهده اليوم من مشاهد بكاء وانكسار ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو صرخة ألم من جيل عانى ما لم تعانه أجيال سابقة: حرب، نزوح، لجوء، فقد، خوف، وجوع. هؤلاء لم يدخلوا قاعات الامتحان بظروف طبيعية، بل حملوا معهم أوجاعًا نفسية وإنسانية تفوق طاقتهم.
إن مشهد الطلاب الذين خرجوا من بعض الامتحانات وهم يبكون بحرقة، ليس حادثة عابرة، بل مؤشر خطير على خلل في منظومة التقييم بأكملها. فهل هذا ما يُكافأ به من صمدوا في وجه الظروف، وتمسكوا بحقهم في التعليم رغم كل شيء؟
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وكل القائمين على العملية التعليمية. وهناك مسألتان لا تحتملان التأجيل:
أولًا: إعادة النظر في نظام تقييم الطالب، بحيث لا يُختزل مستقبله في امتحان نهائي واحد، بل يُبنى على تقييم تراكمي يشمل أعمال السنة، واختبارات نصف العام، والأنشطة المختلفة، ليكون الحكم أكثر عدلًا وإنصافًا.
ثانيًا: مراجعة طريقة إعداد الامتحانات نفسها، لضمان أن تكون متوازنة، واضحة، تقيس الفهم لا التعقيد، وتراعي الفروق الفردية والظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلاب.
ختامًا، إن الأمم لا تنهض إلا بالتعليم، ولا يُبنى التعليم على القسوة أو العشوائية، بل على العدالة والرؤية. فالتعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن، والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: ماذا أعددنا نحن لأبنائنا؟ وهل أنصفناهم كما يستحقون؟





