
بقلم : لمياء صلاح
في دورة صحفية حضرتها قبل أعوام حول “دور الاقتصاد في النهوض بالدول النامية”، طُرح علينا سؤال جوهري ظل عالقًا في ذهني حتى اليوم:
هل الاقتصاد هو من يقود السياسة، أم أن السياسة هي من تتحكم في الاقتصاد؟
دار نقاش طويل، تعددت فيه الرؤى، وخرجنا منه بنظريات ومفاهيم عميقة. لكن، وبعد مرور كل هذه السنوات، لا أملك إلا أن أطرح سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد الذي يشهده السودان:
أين هم الاقتصاديون؟ وأين النظريات التي تعلمناها؟ ولماذا ما زال كل ذلك حبرًا على ورق؟
إن الواقع الذي نعيشه اليوم لا يحتاج إلى توصيف، بل إلى مواجهة. نحن أمام اقتصاد بلا بوصلة، تتآكل فيه قيمة الجنيه السوداني بشكل مريع، وتنتشر فيه الأسواق الموازية كأخطبوط يبتلع أي محاولة للاستقرار.
كل شيء يبدو منفلتًا: الأسعار تتصاعد بلا سقف، والتضخم يحطم دخول المواطنين، وأدوات الرقابة إما غائبة أو مغيّبة.
والمفارقة الكبرى أن الحكومة، على علم تام بكل ما يجري، لكنها لا تتحرك بما يكفي لكبح الانفلات.
النتيجة؟ حالة شلل كامل في القطاعات الإنتاجية، رغم أن السودان بلد يتمتع بمزايا نسبية فريدة في الزراعة والمياه والموارد البشرية.
وحين ننظر إلى تجارب أخرى، نجد أن دولًا تخوض حروبًا أكثر دموية – مثل اليمن وسوريا – ما زالت تحاول السيطرة على أسواقها، وتحافظ على حد أدنى من انتظام النشاط الاقتصادي.
أما نحن، فالمشهد أكثر قتامة: صادرات ضعيفة، واردات فوضوية، ميزان تجاري مثقوب، وانهيار ثقة شبه كامل في الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية.
ورغم هذا الانحدار، فإن طريق الإنقاذ لا يزال ممكنًا إذا توفرت الإرادة، وتم تبني حزمة من الإصلاحات العاجلة، على رأسها:
ضبط سوق الصرف من خلال تدخل جاد وفعلي من البنك المركزي، وإغلاق السوق الموازي بالتشريعات والملاحقة الحقيقية.
كذلك، لا بد من تحفيز الإنتاج المحلي بتوفير مدخلات الإنتاج، ودعم الزراعة والصناعة، إلى جانب فرض ضرائب عادلة على الأنشطة غير الرسمية، وعلى رأسها تجارة العملة والذهب.
والأهم من ذلك، أن تُربط السياسات المالية والنقدية ضمن منظومة واحدة، تكفّ عن العمل في جزر معزولة.
وإذا أردنا أن نستعيد الثقة في الجهاز المصرفي، فلابد من إصلاحه هيكليًا، ومحاربة الفساد الذي ضرب أعماقه، وتحفيز الناس على التعامل مع النظام المصرفي بدلًا من تخزين النقد خارج النظام الرسمي.
في نهاية المطاف، لا يمكننا أن نستمر في ترديد أن السودان بلد غني بالموارد، بينما يُنهك شعبه في الطوابير، ويُترك اقتصاده لمصير عشوائي.
إن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة كفاءة وإدارة وإرادة سياسية.
وإنقاذ السودان لن يتم عبر الأمن فقط، ولا عبر السياسة وحدها، بل من خلال اقتصاديين شجعان، يطرحون رؤى واقعية، ويتحملون مسؤوليتهم التاريخية.
لقد حان الوقت ليعلو صوت العقل، ويأخذ أهل الاقتصاد مكانهم في قيادة مرحلة الإنقاذ.
فإذا لم يكن هذا هو وقتكم، فمتى إذا؟






