
لمياء صلاح تكتب
في بلد تمزقه الحرب، كان يُنتظر أن يكون التعليم الملجأ الأخير، والملاذ الآمن الذي يحفظ للجيل بعضاً من الأمل. لكن ما حدث في السودان قلب المعادلة: صار التعليم نفسه مأساة جديدة، وفاتورة باهظة لا يطيقها الفقراء، وكأن من أراد أن ينجو بالعلم عليه أن يدفع ثمن نجاته مضاعفاً.
هل يُعقل أن تطلب جامعة الخرطوم من طالب الطب 25 ملياراً بالقديم، في وقت لا يجد فيه المواطن قيمة رغيف الخبز ولا جرعة الدواء؟ أي منطق هذا الذي يحول حقاً أصيلاً إلى ترفٍ لا يُتاح إلا للقلة القادرة؟ وأي قلب يرضى أن يُغلق باب الجامعة أمام أبناء وطن تتآكل أسرهم تحت خط الفقر؟
المسؤولون الذين يسنّون هذه القرارات يعيشون على كوكب آخر؛ كوكب بعيد عن طوابير المواصلات، وعن أمهات يحسبن ثمن الورقة قبل أن يشترينها لأبنائهن. بعيد عن جيل يقف بين خيارين: إما ترك الدراسة، أو بيع أحلامه في سوق الرسوم الجامعية.
في الدول التي تُدرك قيمة المستقبل، التعليم هو الجسر الذي تعبر به الشعوب أزماتها. أما عندنا، فقد صار التعليم متراساً يحاصر الشباب، ويضيف إلى جراحهم جرحاً جديداً. كأن هذا الجيل لم يكفه ما ورثه من قهر وتشريد وجوع، فجاءت الجامعات لتضاعف عليه الكارثة.
إنكم لا تفرضون رسوماً، بل تحكمون بالإعدام على جيل بأكمله. جيل إن لم يُرفع شأنه اليوم، لن يرفع شأن الوطن غداً. وحين يُغلق باب الجامعة في وجهه، فلن يُغلق باب الأمل وحده، بل سيُغلق معه مستقبل السودان كله.









