مقالات الرأى

لمياء صلاح تكتب : ماذا هناك في مستشفي علي عبد الفتاح؟

في زمنٍ أنهكت فيه الحربُ المواطن السوداني، وأثقلت كاهله الأمراض وضيق المعيشة، يفترض أن تكون المستشفيات ملاذًا آمنًا، تُصان فيه الكرامة وتُحفظ فيه الحياة. لكن ما حدث داخل مستشفى علي عبد الفتاح بولاية الخرطوم – قسم الولادة – يكشف واقعًا صادمًا يتجاوز حدود القصور إلى مستوى الانتهاك الإنساني الصريح.
يروي أحد المواطنين يومًا عصيبًا عاشه وهو يسعى لإنقاذ زوجته أثناء الولادة. فقد اضطر لدفع مبلغ تجاوز السبعمائة ألف جنيه سوداني لإجراء العملية، إلى جانب شراء مستلزمات طبية أساسية من قطن وشاش وغيرها، بلغت تكلفتها أكثر من مائتين وعشرة آلاف جنيه. كل ذلك تم توفيره بشق الأنفس، في ظروف يعلمها الجميع، حيث يواجه المواطن السوداني تحديات قاسية في ظل الحرب وانهيار سبل العيش.
ورغم فداحة التكاليف، لم تكن المشكلة الأساسية في ضعف الإمكانيات أو تدني مستوى النظافة داخل المستشفى، على قسوتها، بل في ما هو أخطر: ممارسات استغلالية ممنهجة تمارس على المرضى وذويهم.
من داخل غرفة العمليات إلى أسِرّة العنابر، تتكرر مشاهد الابتزاز بصورة مؤلمة. “إكراميات” تُفرض قسرًا، وطلبات لا تنتهي تُقدَّم للمواطن تحت ضغط الحاجة والخوف. حتى أبسط الحقوق الإنسانية، كدخول الزوج للاطمئنان على زوجته، لم تعد مكفولة، بل أصبحت مشروطة بتقديم الطعام والشراب – فطور، شاي، قهوة – لمن يقفون على الأبواب، في مشهد لا يمت بصلة لأخلاقيات المهنة أو إنسانية المكان.
هذه ليست مجرد تجاوزات فردية، بل ظاهرة تعكس خللًا عميقًا في منظومة القيم داخل بعض المؤسسات الصحية. فحين تتحول معاناة المرضى إلى فرصة للكسب غير المشروع، وحين يُستغل ضعف الإنسان في لحظاته الحرجة، فإننا لا نكون أمام أزمة خدمات فحسب، بل أمام انهيار أخلاقي يستدعي الوقوف بحزم.
إن ما يجري داخل هذا المرفق يطرح أسئلة موجعة: كيف يُترك المواطن فريسة للابتزاز في مكان يفترض أن يحمي حياته؟ وأين تذهب قيم الرحمة والمسؤولية في قطاع يرتبط مباشرة بكرامة الإنسان؟
إن هذه الشهادة ليست حالة معزولة، بل ناقوس خطر يستوجب تحركًا عاجلًا من الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الصحة، لوضع حد لهذه الممارسات، ومحاسبة المتورطين، وفرض رقابة صارمة تعيد للمؤسسات الصحية دورها الحقيقي.
فحماية المريض لا تقتصر على العلاج، بل تبدأ بصون كرامته. وأي نظام صحي يفقد هذه البوصلة، يفقد مبرر وجوده.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى