مقالات الرأى

لمياء صلاح تكتب : رؤوس أينعت ….. فمن يوقف نزيف الوطن

رؤوس أينعت ….. فمن يوقف نزيف الوطن

 

لمياء صلاح تكتب

ليست كل الحروب تُسمع لها أزيز رصاص. بعضها يتسلل في هدوء إلى المكاتب، ويجلس خلف الطاولات، ويحمل الملفات بين يديه، ثم يخرج من الخزائن ما يكفي لينهش وطناً بأكمله.

السودان اليوم لا يواجه حرب المليشيا وحدها؛ ثمة حرب أخرى أكثر خفاءً، لكنها لا تقل فتكاً: حرب الفساد. عدو لا يأتي من الحدود، بل يعيش بيننا، ويتحرك داخل بعض المنظومات الإدارية والتنفيذية والعسكرية والمدنية، ويعرف جيداً أين يضع يده وأين يخفي أثرها.

لقد أصبح الفساد في بعض مفاصل الدولة كالسوس الذي لا يُرى إلا بعدما يكتشف الناس أن الخشب من الداخل قد صار أجوف. موارد تُهدر، ومواقع تُستغل، ومصالح تُدار بمنطق الغنيمة، بينما المواطن الذي طحنته الحرب يقف على أبواب الحياة يبحث عن ابسط مقومات الحياة

وفي الجهة الأخرى، تكبر الجيوب بينما تصغر موائد الناس، وتتسع عربات أصحاب النفوذ بينما تضيق طرق المواطن إلى أبسط حقوقه. سيارات فارهة وموديلات لم يألفها الشارع السوداني، في بلدٍ ما زال كثير من أهله يعدّون ثمن الخبز والدواء والمواصلات حساباً يومياً شاقاً.

المشكلة ليست في المال وحده؛ المشكلة حين يتحول المال العام إلى غنيمة، والمنصب إلى باب رزق شخصي، والنفوذ إلى مظلة تحمي المستفيدين، ويصبح الصمت شريكاً لا يقل خطراً عن اليد التي امتدت إلى المال.

لقد ابتُليت البلاد بسوسٍ سياسي وإداري ينهش جسدها من الداخل، حتى أصبح السؤال أكثر إيلاماً من الإجابة: كم تبقى من السودان إذا استمرت الحرب تأكل أبناءه من الخارج، والفساد يأكل موارده من الداخل؟

بعد كل ما دفعه السودانيون من أرواح وبيوت وأعمار واغتراب، ليس من المقبول أن يُترك ما تبقى من الوطن نهباً لمن لا يرى في الدولة إلا فرصة، ولا في المنصب إلا مكسباً، ولا في المواطن إلا رقماً يمكن احتماله أو تجاهله.

لا ندعوا لتصفية الحسابات، ولا لاصطياد الخصوم؛ إنها صرخة في وجه منظومة يجب أن تستعيد ميزانها، وأن تفتح أبواب المراجعة والمساءلة، وأن تضع المال العام تحت عين القانون لا تحت حماية العلاقات والنفوذ.

خافوا الله في هذا الشعب. خافوا الله في بلدٍ دفع فاتورة الحرب من لحمه ودمه.

فليس كل ما يُنهب يُرى، وليس كل من يسرق يحمل كيساً في يده؛ بعض السرقات تتم بتوقيع، وبعضها بقرار، وبعضها بصمت يعرف أكثر مما يقول.

قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.

ولذلك يبقى السؤال معلقاً في عنق الدولة:

رؤوسٌ أينعت وحان قطافها… فمن يقطفها؟

فإن لم تُقطف جذور الفساد بالقانون والرقابة والمحاسبة، فقد نستيقظ يوماً لنكتشف أننا لم نخسر حرباً فقط… بل خسرنا وطناً كان يمكن إنقاذه.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب؛ يحتاج إلى يدٍ نظيفة، وعينٍ لا تنام، وقانونٍ لا ينحني.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى