
في المسرح، حين ينتهي العرض تُطفأ الأضواء، تُسدل الستارة، ويغادر الناس مقاعدهم إلى بيوتهم.
لكن ماذا يحدث حين تخرج المسرحية من الخشبة ولا تنتهي؟
هذا بالضبط ما يحدث في السودان الآن.
قبل عقود، وقف المسرح القومي أمام جمهور سوداني يحمل عنوانًا لافتًا: «دولار.. ريال.. شيك سياحي»، من تأليف محمود السراج وإخراج عبد الفتاح محمد عبد الفتاح،كانت الخشبة يومها تلتقط مفردات الاقتصاد والعملة والسوق، وتحولها إلى مشاهد ساخرة يضحك منها الجمهور لأنه يرى شيئًا من واقعه في تفاصيلها.
كان ذلك زمنًا كانت فيه المفارقة تُقال على خشبة المسرح.
واليوم، المفارقة نفسها تمشي في الشوارع.
دولار.. ريال.. شيك سياحي.
العنوان الذي كان يومًا مادة للفرجة، صار اليوم أقرب إلى عنوان عريض لحياة كاملة. تبدل سعر العملة، اتسعت السوق الموازية، وتراجعت قيمة الجنيه تحت وطأة اختلالات متراكمة ثم جاءت الحرب لتدفع الاقتصاد إلى مساحة أكثر قسوة. صار الرقم الذي كان يُتداول في السوق حديثًا عابرًا، رقمًا يملك قدرة مباشرة على تغيير ما يستطيع الناس شراءه وما يعجزون عنه.
وهنا تتوقف الحكاية عن كونها مقارنة بين زمنين.
لأن أبناءنا، وهذا الجيل تحديدًا، كُتب لهم أن يشاهدوا المسرحية مرة أخرى.
لكن ليس في المسرح القومي.
هذه المرة على أرض الواقع.
لم يشاهدوا ممثلين يؤدون أدوار السماسرة، ولم يسمعوا حوارًا مكتوبًا عن العملة، ولم ينتظروا مشهدًا ساخرًا ينتهي بالتصفيق.
وجدوا المشهد أمامهم كاملًا؛ سوقًا يراقب العملات، وجنيهًا يفقد وزنه، وأسعارًا تتحرك أسرع من القدرة على ملاحقتها.
غير أن شيئًا واحدًا تغيّر.
ضحكات الأمس لم تعد موجودة.
ما كان يثير ابتسامة الجمهور على الخشبة، صار يترك في نفوس هذا الجيل وجعًا حقيقيًا؛ لأنهم لم يعودوا يشاهدون الأزمة من مقاعد المتفرجين، بل يعيشون داخلها.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة.
المسرح في الأمس كان يحاكي الواقع.
أما اليوم، فالواقع يحاكي المسرح.
غير أن الواقع لا يعرف قواعد الفن؛ لا يختار لحظة النهاية، ولا يمنح الممثل فرصة لإعادة المشهد، ولا يسمح للجمهور بالخروج حين يصبح العرض قاسيًا.
لقد ورث هذا الجيل عنوان المسرحية، لكنه لم يرث الضحكة التي صاحبتها.
ورث فقط المشهد.
ولذلك فإن استدعاء «دولار.. ريال.. شيك سياحي» اليوم ليس استدعاءً لعمل مسرحي قديم بقدر ما هو فتح لصفحة من الذاكرة السودانية، ثم النظر بدهشة إلى حاضر يعيد بعض سطورها، ولكن بلغة أشد قسوة.
في الأمس كانت الخشبة تقول ما يحدث في الشارع.
واليوم الشارع يقول ما عجزت الخشبة عن تخيله.
فهل انتهت المسرحية؟
ربما انتهى العرض القديم.
لكن السودان، حتى هذه اللحظة، ما زال واقفًا أمام ستارة لم تُسدل.
والجيل الذي كان يفترض أن يسمع عن تلك المسرحية من آبائه، وجد نفسه يؤدي دورًا فيها دون أن يختار.
يا لها من مفارقة سودانية موجعة:
مسرحية كانت تُضحك الناس ذات يوم، عاد أبناؤنا ليشاهدوها من جديد… لكن هذه المرة بلا خشبة، وبلا ممثلين، وبلا ضحكات.






