مقالات الرأى

الكذب أصبح سُنّة.. فأضاع البوصلة وجعل الجميع يحتار: فيمن نثق؟

بقلم لمياء صلاح

فيها شنو لو قلت الصدق.. حيقطعوا رقبتك؟” مقولة تتردد على الألسنة لكنها تعكس أزمة عميقة في مجتمعنا، حيث أصبح الكذب عادة يومية تمارس بلا حرج. تسمع أحدهم في المواصلات يخبر محدثه: “أنا قريب”، وهو بعيد جدًا. في السوق، يبالغ البائع قائلاً: “هذه أجمل بضاعة ولا يوجد مثلها”، بينما يجد المشتري نفس النوع بعد خطوات قليلة. حتى بعض من يُحسبون قادة رأي، يرفعون هواتفهم ليقولوا بجرأة: “أنا في اجتماع”، وهم جالسون في مقهى يتبادلون الأحاديث. مشاهد متكررة تثير سؤالًا مؤرقًا: لماذا الكذب؟

القرآن الكريم أجاب بوضوح، وربط الكذب بعدم الإيمان، فقال تعالى: “إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون” (النحل: 105). فالكذب ليس مجرد خطأ عابر، بل هو انحراف عن الإيمان نفسه.

أما السنة النبوية، فقد لخّصت خطورة هذا الخُلق في حديث النبي ﷺ: “إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار”. كلمة صريحة تكشف أن الكذب بداية طريق مظلم يقود إلى الفجور ثم إلى النار، أي إلى هلاك الدنيا والآخرة معًا.

الكذب لا يهدم المصداقية الفردية فحسب، بل يضرب الثقة في جذور المجتمع. في التجارة يفسد الأسواق، في العلاقات يهدم المودة، وفي القيادة يضيع الأمانة. إنه مرض ينخر في جسد الأمة ويحوّل القيم إلى شعارات بلا روح.

في المقابل، الصدق عبادة قبل أن يكون خُلقًا، وهو الذي يزرع الطمأنينة في القلوب ويرفع مقام صاحبه عند الله والناس. الصدق قد يكون ثقيلاً في لحظته، لكنه يبني ثقة لا تهزها الأيام، بينما الكذب مهما تلون يظل خيانة للحق وضياعًا للقيم.

إن الصدق لا يقطع رقابنا كما يظن البعض، بل ينجّي أرواحنا ويقيم ميزان العدل في حياتنا. ولذلك فالمجتمع لا يقوم على الأكاذيب مهما تجملت، وإنما ينهض على الصدق ولو كان ثقيلاً.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى