
«باب النجار مخلّع»… مثلٌ لا يحتاج إلى شرح طويل، يكفي أن نضعه أمام حال الصحافة السودانية اليوم حتى تتسع دلالته.
مهنة تطرق أبواب الحقيقة كل صباح، تبحث عن الخلل، تسأل عن الغائب، وتضع الضوء حيث لا يريد البعض أن يصل الضوء؛ لكنها حين تبحث عن باب يحميها، تجد أن الباب نفسه يحتاج إلى إصلاح.
المسألة لم تعد مجرد شكوى صحفي من تضييق أو مساءلة. المسألة أكبر: ما الحماية القانونية التي تقف خلف الصحفي وهو يؤدي واجبه؟ وأين تنتهي مسؤولية الصحفي المهنية وتبدأ المساءلة الجنائية؟
لا أحد يطالب بأن يكون الصحفي فوق القانون. الصحفي مسؤول عن كلمته، ودقة معلوماته، ومصادره، وأخلاقيات مهنته. لكن المسؤولية شيء، وأن تصبح النصوص القانونية متداخلة إلى الحد الذي يجعل الصحفي لا يعرف أي باب سيُفتح عليه بسبب ما كتب، شيء آخر.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نخشى طرحه: هل يكفي أن يُحاسَب الصحفي بموجب قوانين عامة، ومنها قانون المعلوماتية، بينما تظل الحماية الخاصة بالمهنة محل جدل؟
فالصحفي لا يحمل سلاحاً حين يكتب تحقيقاً، ولا يقتحم مؤسسة حين يطرح سؤالاً، ولا يرتكب جريمة لمجرد أنه طرق باباً مغلقاً بحثاً عن إجابة. هو يمارس مهنة تقوم في أصلها على السؤال، والتحقق، والنشر، والمساءلة المجتمعية.
وحين يشعر القلم أن خلف كل سطر احتمالاً للعقوبة، يبدأ الخطر الحقيقي.
لا يتوقف الصحفي بالضرورة عن الكتابة؛ لكنه يبدأ في حذف الجملة التي قد تزعج، وتليين السؤال الذي قد يغضب، وإسقاط المعلومة التي قد تفتح عليه باباً لا يريد دخوله. هكذا تولد الرقابة الذاتية… هادئة، بلا قرار رسمي، وبلا أمر مكتوب.
والرقابة الذاتية أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة؛ لأنها لا تحتاج إلى رقيب يقف خلف الصحفي. يكفي أن يسكن الرقيب داخله.
ومن هنا فإن حماية الصحفي ليست بحثاً عن حصانة شخصية، ولا محاولة لصناعة فئة فوق القانون. إنها حماية لمساحة العمل الصحفي نفسه؛ مساحة تسمح للصحفي بأن يخطئ فيجري تصحيح خطئه، وأن يُحاسب إذا تجاوز، وأن يدافع عن نفسه وفق قانون واضح، دون أن يصبح الخوف من المآلات سبباً في دفن الحقيقة قبل نشرها.
لقد عرفت الصحافة السودانية طويلاً معنى أن يدفع أصحاب الكلمة أثماناً باهظة من أجل مهنتهم. واليوم، بعد كل ما مر به السودان، لا تحتاج الصحافة إلى مزيد من الانقسام داخل بيتها.
اجتمع الصحفيون، واختلفوا، وتباعدوا، ثم عادوا إلى الطاولة نفسها لأن الهم واحد مهما اختلفت الطرق إليه. وربما تكون هذه اللحظة هي الأنسب لكي تتحول الاجتماعات من مساحة لتبادل الشكوى إلى مساحة لصناعة الحل: قانون واضح، حماية مهنية حقيقية، وضمانات لا تترك الصحفي وحيداً عندما تبدأ المواجهة.
فالخلافات داخل البيت الصحفي يمكن حلها بالحوار، أما انهيار جدار الحماية القانونية للمهنة فلن يدفع ثمنه الصحفي وحده؛ سيدفع المجتمع كله ثمن غياب الحقيقة.
«باب النجار مخلّع»… وربما لم يعد مقبولاً أن تظل الصحافة منشغلة بإصلاح أبواب الآخرين، بينما بابها هي يترك الريح تدخل من كل الجهات.
أصلحوا الباب أولاً… حتى يظل للقلم مكان يطرق منه، وللحقيقة طريق تعبره، وللصحفي مساحة يعمل فيها دون أن يتحول الخوف إلى شريك دائم في صناعة الكلمة.






