مقالات الرأى

لمياء صلاح تكتب: وجوهٌ أكلتها الحرب

 

فتحت كاميرا الهاتف لأطمئن على أهلي، فإذا بوجوههم تحكي ما تعجز الكلمات عن وصفه. شيبٌ غزا الرؤوس قبل أوانه، وملامح أطفأ الجوع والحزن نضارتها، وأجسادٌ أنهكها الحرمان حتى غيّرت المعاناة لون بشرتها، كأنما مرّت عليها نارٌ وتركت آثارها. للحظة، شعرت أنني لا أرى أحبائي فحسب، بل أرى حرباً كاملة استقرت في ملامحهم.

وقبل أيام، اتصلت بإحدى صديقاتي للاطمئنان عليها، فجاءني صوتها مثقلاً بالوجع: «والله الوضع أسوأ مما هو سيئ».

بدأت تسرد أسعار ضروريات الحياة: السكر بعشرة آلاف جنيه، الزيت والعدس بثمانية آلاف لكل منهما، الأرز باثني عشر ألفاً، والدقيق بستة آلاف. المواصلات من الحلة إلى كبري الحلفايا بخمسة آلاف، وإلى بحري بثمانية آلاف. معجون الأسنان بعشرة آلاف، وثلاث رغيفات بألف جنيه، وملوة الدقيق الأبيض باثني عشر ألفاً، والفتريتة بتسعة آلاف، وشريحتا صابون الغسيل بأربعة آلاف.

ثم قالت إنهم أصبحوا يكتفون بوجبة واحدة في اليوم!

سألتها: «طيب، مرتبك كم؟».

صديقتي معلمة، راتبها 115 ألف جنيه سوداني، بما يعادل نحو 25 دولاراً، وحتى الخامس والعشرين من سبتمبر لم تكن قد صرفته.

معلمة تعمل شهراً كاملاً، ولا تستطيع الوصول إلى راتبها، وإن وصل إليها، فماذا يشتري لها أمام هذه الأسعار؟ أيُّ معنى للأجر حين يعجز عن توفير أبسط ضروريات الحياة؟

هذه ليست حكاية غلاءٍ عابر، بل حكاية شعبٍ بات يحسب بقاءه بوجبة، ويقيس قدرته على الحياة بما تبقى في جيبه.

خلف هذه الأرقام أسرٌ تحذف من موائدها، وأمهاتٌ يواجهن قسوة الاختيار بين احتياجات أطفالهن، وموظفون وعاملون لم تعد دخولهم تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش. حربٌ لم تكتفِ بتدمير البيوت وتشريد أهلها، بل امتدت إلى موائدهم وأجسادهم وأعمارهم.

لا أكتب لأضيف مشهداً جديداً إلى سجل المأساة السودانية، بل لأن وراء صور الدمار وجوهاً نعرفها، وحياةً تستنزفها المعاناة بصمت. إن إنهاء الحرب لم يعد مطلباً سياسياً مؤجلاً، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من أعمار الناس وكرامتهم.

لازم نلقي حل للحرب دي. لا يجوز أن نترك المواطن وحيداً في مواجهة الجوع، ثم نكتفي بالإعجاب بصبره. نريد أن يعود المعلم إلى راتبه، وأن يجد العامل أجره، وأن تستطيع الأم إطعام أطفالها دون أن تفاضل بين الطعام والدواء والمواصلات.

وحين سألت صديقتي: «وعايشين كيف؟»، أجابت: «ماسكين في حبال الله».

نعم بالله يا صديقتي العزيزة، وما أعظم إيمان من تضيق به الأرض ولا يفقد رجاءه. لكن صبر الناس لا ينبغي أن يكون ذريعة لتركهم في مواجهة مصيرهم.

لقد احتمل السودانيون ما يفوق طاقة البشر؛ لم يعد المطلوب أن يحتملوا أكثر، بل أن تتوقف هذه الحرب.

أوقفوا الحرب، قبل أن تتحول وجوه أحبائنا عبر شاشات الهواتف إلى شواهد على أعمارٍ أكلها الانتظار، وأجسادٍ أنهكها الجوع.

نعم بالله يا صديقتي العزيزة… ماسكين في حبال الله.

لكن، بالله عليكم، أما آن لهذه الحرب أن تنتهي؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى