
مضى نحو المجهول، ولم يكن يعلم أن الحرب التي أخرجته من بيته لم تعد وحدها ما يهدّد مستقبله؛ فهناك أيضًا صراعٌ على من يملك حق تقرير مصير وطنه.
ليست هذه حكاية مواطن واحد، بل صورة تختصر حال شعب أنهكته الحرب، وتنازعت مستقبله المصالح الداخلية والخارجية، حتى بات كثيرون ينتظرون الحل دون أن يعرفوا من أين تبدأ الخطوة الأولى.
من الثورة إلى الحرب.. أين ضاع صوت المواطن؟
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد احتجاج على نظام سياسي، بل تعبيرًا عن رغبة في بناء دولة تقوم على الحرية والعدالة والكرامة. لكن الانتقال تعثّر، وتنازعت القوى السياسية والعسكرية السلطة، وتآكلت الثقة، حتى دخل السودان حربًا دفع المواطنون ثمنها الأكبر.
ومع اتساع المأساة، لم يعد المواطن يواجه فقدان الأمن والمأوى والرزق فحسب، بل وجد نفسه بعيدًا عن القرارات التي تحدد مستقبله.
ولا يجوز تحميل المواطن المنهك مسؤولية هذا التراجع؛ فالمسؤولية الأكبر تقع على القوى التي امتلكت أدوات القرار، ولم تنجح في حماية الدولة أو تقديم مصالح شعبها على صراعات السلطة.
حين تتحول قضايا الناس إلى أوراق تفاوض.
ليست المشكلة في تنوع السودان الإثني والثقافي والجهوي، بل في استغلال هذا التنوع لتوسيع الانقسامات وتحويل الهويات والمظالم إلى أدوات للمساومة السياسية.
فالتهميش لا يُعالج بتهميش جديد، والظلم لا يُواجه بإعادة إنتاجه تحت شعارات مختلفة. والمطلوب دولة تعترف بالمظالم، وتضمن الحقوق المتساوية، وتخضع فيها السلطة للقانون.
والسؤال هنا: هل تُعالج التسويات جذور الأزمة وتمنح المواطنين حقوقهم، أم تكتفي بإعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة؟
فليس كل اتفاق ينهي جولة من الصراع يؤسس بالضرورة لسلام مستدام.
السودان في حسابات الآخرين.. الموقع الذي لم يتحول إلى قوة
يجعل موقع السودان عند تقاطع البحر الأحمر والقرن الإفريقي وعمق الساحل الإفريقي، إلى جانب موارده، حاضرًا في حسابات إقليمية ودولية متعددة، تتقاطع مصالحها أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى.
وليس كل دور خارجي ضارًا؛ فقد تسهم الوساطات والشراكات في وقف الحرب وإعادة الإعمار. لكن المعيار هو نتائج هذه الأدوار على السودان وشعبه، ومدى احترامها لسيادته وحق مواطنيه في تقرير مستقبلهم.
كما أن اختزال الأزمة في التدخلات الخارجية وحدها قراءة ناقصة؛ فكلما ضعفت المؤسسات الوطنية وانقسمت القوى الداخلية، اتسعت مساحة التأثير الخارجي، وتراجعت قدرة السودان على حماية مصالحه.
وهكذا، يتحول الموقع الاستراتيجي من مصدر قوة محتملة إلى عبء، حين لا تسنده دولة تمتلك رؤية واضحة وإرادة مستقلة.
لا يكفي البحث عمّن أشعل الحرب أو من يدعم أطرافها؛ بل ينبغي السؤال: لماذا عجز السودان عن بناء توافق وطني يحمي الدولة من الانهيار كلما تصارعت القوى على السلطة؟
تتحمل النخب السياسية والعسكرية والمدنية مسؤوليات متفاوتة بحسب أدوارها، فالدولة لا تُبنى بتغيير الوجوه أو توقيع الاتفاقات وحدها، بل بمؤسسات مستقرة، ومحاسبة عادلة، وقواعد لإدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع مسلح.
المطلوب مشروع وطني لا يحتكر السودان باسم جماعة أو جهة أو أيديولوجيا، ويجعل الوصول إلى السلطة وسيلة لخدمة الدولة، لا غاية تتقدم على حقوق الإنسان وكرامته.
من انتظار المنقذ إلى استعادة القرار
في أوقات الانهيار، يصبح التعلق بأي مبادرة توقف المعاناة أمرًا مفهومًا. لكن الخطر أن يتحول الانتظار إلى بديل عن بناء إرادة وطنية قادرة على تحديد الأولويات وحماية المصالح.
لا يستطيع السودانيون وحدهم وقف كل أشكال التدخل الخارجي، ولا يجوز مطالبة من أنهكتهم الحرب بتحمل أعباء تفوق قدرتهم. لكن استعادة القرار تبدأ بتوافق وطني يضع حماية المدنيين ووقف الحرب وبناء الدولة فوق الحسابات الضيقة.
فالسودان لا يحتاج إلى مجرد نهاية للحرب، بل إلى إنهاء المنطق الذي يجعل السلطة أهم من الدولة، والمكاسب أهم من الإنسان، والتسويات أهم من معالجة جذور الأزمة.
من يملك حق تقرير مصير السودان؟
يقول المثل السوداني: «البُكا يحرّرو أهلو»؛ فأصحاب الوجع هم الأشد إحساسًا به. وليس معنى ذلك أن يواجه السودانيون مأساتهم وحدهم، بل أن يظل صوتهم حاضرًا في كل مسار يحدد مستقبلهم.
يمكن للآخرين المساعدة في وقف الحرب وإعادة الإعمار، لكنهم لا يستطيعون أن يحلّوا محل السودانيين في تحديد شكل الدولة التي يريدونها.
فالسؤال ليس فقط: من يملك مفاتيح الحل في السودان؟ بل: من يملك حق تحديد شكل السودان الذي نريد الوصول إليه؟
هل سنظل ننتظر من الآخرين أن يقرروا مصير وطننا، أم نستطيع تحويل وجعنا المشترك إلى إرادة وطنية تبني دولة لا يكون فيها المواطن سلعة في سوق السياسة، ولا الوطن ساحة مفتوحة لتصفية المصالح؟
إذا كان «البُكا يحرّرو أهلو»، فإن بناء السودان لا يمكن أن يكون مسؤولية الآخرين وحدهم.
السودان لا يحتاج إلى من يبكيه فحسب، بل إلى مشروع يعيد للمواطن مكانه في قلب الدولة، وللوطن حقه في أن يكون أكبر من مصالح المتنافسين عليه.






